الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

405

انوار الأصول

قلنا : كلّا ، هذا غير ثابت ، وإن كان مشهوراً في كثير من الأعصار لأنّ مجرّد الشهرة غير كافية ، وإن هو إلّا مثل ما ادّعي من نبوّة زردشت مع أنّها مشكوكة ، ومعاملة المجوس معاملة أهل الكتاب ( كما ورد في رواياتنا ) لا يدلّ على كون زردشت نبيّاً لولا تلك الروايات ، بل ومع تلك الروايات أيضاً لأنّ زردشت لم يثبت كونه نبي المجوس . 3 - من شرائط جريان الاستصحاب في مثل المقام هو الفحص إلى حدّ اليأس لأنّه وإن كان من الشبهات الموضوعيّة ولكنّه من الأمور الاعتقاديّة بل هو أساس الأحكام ومنشؤها ومبناها ، فإذا كان الاستصحاب في حكم واحد مشروطاً بالفحص فما ظنّك بأساس الأحكام الإلهيّة كلّها ؟ وبعبارة أخرى : يعتبر الفحص أيضاً في الموضوعات الاعتقاديّة كالشبهات الحكميّة كما صرّح به المحقّق الأصفهاني رحمه الله في تعليقته ، وحينئذٍ نقول : إنّا بعد الفحص عن نبوّة نبيّنا لم يبق لنا شكّ في ثبوتها ونسخ شريعة موسى وعيسى عليهما السلام فليس الاستصحاب جارياً بالنسبة إلينا . وبعبارة أخرى : إن كان المراد من الشكّ في كلام الكتابي هو الشكّ قبل الفحص فلا اعتبار به ، وإن كان المراد به الشكّ بعد الفحص فهو منتفٍ . 4 - لا بدّ في المسائل الاعتقاديّة وأصول الدين ( كما أشرنا إليه في طليعة البحث ) من تحصيل الجزم واليقين ، وهو لا يحصل من طريق الاستصحاب ولو سلّمنا حجّيته . 5 - إنّ ما ورد في كلام الإمام الرضا عليه السلام جواب صحيح في محلّه ، ولكنّه وقع في مناظرة اليهودي مورداً للمناقشة ، لإشكال وقع في نقل السيّد القزويني رحمه الله ، حيث إنّ المتيقّن المستصحب في نقله هو نبوّة كلّ عيسى عليه السلام أو موسى عليه السلام الذي أخبر عن نبوّة محمّد صلى الله عليه وآله ، فأجابه الكتابي بأنّ المتيقّن هو وجود موسى عليه السلام وهو جزئي حقيقي لا يصدق على غير واحد ، وهو معلوم لكم ولنا ، وجعله كلّياً خلاف التحقيق ، مع أنّ الوارد في كلام الرضا عليه السلام : « أنا مقرّ بنبوّة عيسى وكتابه وما بشّر به امّته وأقرّت به الحواريون » « 1 » أي نبوّة شخص عيسى عليه السلام وكتابه وما بشّر به ، لا نبوّة كلّ عيسى ، فهو عليه السلام يقول : « إنّ المتيقّن لنا ليس هو خصوص نبوّة عيسى فحسب ، بل هي وما بشّر به امّته ، أي كما إنّا نعلم بنبوّة عيسى عليه السلام نعلم أيضاً بأنّه بشّر

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 10 ص 302 .